منذ عام 1928، تمارس عائلة حلبي صناعة العود الدمشقي عبر ثلاثة أجيال.
طرابلك دار كندية متخصصة في العود، تتشكّل هويتها من إرث سوري عريق، وتكرّس نفسها لتقديم العود بما يليق به من وضوح وثقة ومكانة. وهي تواصل حرفة عائلية بدأت في دمشق عام 1928، وتستمر اليوم من كندا، حيث يلتقي التراث بالرقي وبرؤية معاصرة تسهم في رسم مستقبل العود.
وتعود جذور هذه الحرفة إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى بدايات القرن العشرين، حين أصبح العمل في الخشب جزءًا من هوية عائلة حلبي في دمشق. لكن في عام 1928، أخذت هذه الصلة بالخشب معنى جديدًا. ففي ذلك العام افتتح جودت حلبي ورشته لصناعة الآلات الموسيقية، وفي مقدمتها العود، لتبدأ من هناك مسيرة عائلية راسخة في صناعة العود.
جمع جودت بين صفتين نادرتين: انضباط الحرفي الكبير، وحسّ الموسيقي المرهف. لذلك عُرفت الأعواد التي صنعها بجمالها، ودقتها، وقدرتها الطبيعية على ملامسة صوت العازف ولمسته وشخصيته الموسيقية. ومع مرور الوقت، حظي عمله بتقدير واسع بين عازفي العود ومحبيه في أنحاء الشرق الأوسط، وأصبح اسمه وثيق الصلة بتقليد العود الدمشقي.


وكانت هناك لحظة خاصة جسّدت بوضوح مكانة هذا الإرث. ففي عام 1955، صنع جودت حلبي عودًا مميزًا وقدّمه إلى أم كلثوم، إحدى أبرز الأصوات في العالم العربي، في تعبير واضح عن المكانة الفنية والثقافية التي بلغتها هذه الحرفة. واليوم يُحفظ ذلك العود في متحف أم كلثوم في القاهرة، بوصفه شاهدًا حيًّا على هذا الإرث.

ملاحظة بخط يد أم كلثوم جاء فيها: «نشكر السيد جودت حلبي، الفنان المبدع، على هديته النفيسة.»
بطاقة صانع أعواد تعود إلى عام 1961 وتحمل اسم جودت حلبي.
ثم جاء الجيل الثاني ليواصل هذا الإرث بالقدر نفسه من الجدية. فلم يكتفِ بشار حلبي بالحفاظ على قيم صناعة العود الدمشقي، بل عمّقها وصقلها أيضًا. وإلى جانب صناعة أعواد جديدة، كرّس جانبًا مهمًا من عمله لترميم الأعواد القديمة، محافظًا بذلك لا على بنيتها فقط، بل على الروح الفنية التي تحملها. ومعه، لم تعد الحرفة مجرد مهنة تنتقل من الأب إلى الابن، بل أصبحت نهجًا عائليًا راسخًا يقوم على الصبر والمعرفة والاحترام العميق للعود بوصفه آلة تحمل الصوت والتاريخ والثقافة. وفي عام 2005، مُنح بشار حلبي لقب شيخ صنّاع العود في دمشق.

ثم استمر هذا الإرث مع خالد حلبي، الجيل الثالث من صنّاع العود في العائلة. وقد نشأ في الورشة وتعلّم الحرفة من داخلها؛ لا تقنياتها فحسب، بل معاييرها الدقيقة، وحساسيتها، وما تحمله من مسؤولية. ومع مرور الوقت، حمل هذا الإرث معه في رحلة صعبة من دمشق إلى بيروت، ثم إلى كندا. لكن الغاية لم تكن مجرد مواصلة صناعة العود في مكان آخر، بل تقديم العود الدمشقي بطريقة تخاطب الحاضر بوضوح.
ومن هذه الرؤية وُلدت طرابلك.

طرابلك ليست عودة إلى الماضي لمجرد الحنين إليه، بل امتداد حيّ لإرث حقيقي في صناعة العود، يُقدَّم اليوم بلغة أكثر وضوحًا وحضورًا وثقة. وبجذورها الراسخة في الحرفة السورية منذ عام 1928، وصناعتها اليدوية في كندا، جاءت طرابلك لتخاطب العازف المحترف، والمهتم بالاقتناء، والموسيقي المعاصر الذي يكتشف العود للمرة الأولى.
نحن نؤمن بأن العود واحد من أعظم الآلات الموسيقية في العالم. ولا ينبغي أن يُعامل بوصفه شيئًا هامشيًا أو غريبًا عن المشهد الموسيقي العالمي. بل يستحق أن يُقدَّم بما يليق به من جدية وجمال وثقة، تمامًا كما تُقدَّم كبرى التقاليد الموسيقية في العالم. وهذا الإيمان يقف في صميم كل ما نقوم به.

ولهذا السبب، يجمع كل عود من طرابلك بين عمق الحرفة الدمشقية ودقة الصناعة الحديثة في كندا. فكل آلة تحمل ليس فقط مهارة الصنعة، بل امتداد السلالة أيضًا. وليس الجمال وحده، بل القصد الواضح. وليس التراث وحده، بل فهمًا راسخًا للمكانة التي يستحقها العود اليوم.
ملاحظة بخط يد أم كلثوم جاء فيها: «نشكر السيد جودت حلبي، الفنان المبدع، على هديته النفيسة.»